2022-08-08

رحلــة مباركــة يا ضيـوف الرحمــن


2022-06-17

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ* فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(1).

إننا نعيش في ظلال  أيام مباركة من  شهر ذي القعدة، حيث يستعدّ الحجاج للتوجه إلى مكة المُكَرّمة، مُستجيبين لدعوة أبيهم إبراهيم – عليه الصلاة والسلام-،  وَلِمُشاهدة الأرض المباركة ومهبط الوحي، وليطوفوا بالكعبة المشرفة، ولزيارة المدينة المنورة على ساكنها -أفضل الصلاة والسلام-.

نصائح لضيوف الرحمن

يجب على كلّ مُسلم بصفة عامة ومن نوى الحجَّ أو العمرة بصفة خاصة، أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى من جميع المعاصي والآثام، لقوله سبحانه وتعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(2)، فنحن بشرٌ نُخْطئ وَنُصيب، كما جاء في الحديث الشريف: (لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللّهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ)(3).

 ومن فضل الله سبحانه وتعالى علينا أن فتح باب التوبة على مِصْرَاعيه لِكلّ أوّاب، فهو يغفر الذنوب جميعاً، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(4).

فَيَا مَنْ عزمتَ على حجِّ بيت الله الحرام، عليك أن تُخلص النِّيَّة لله تبارك وتعالى، وأن تختار الصُحْبَة الطّيبة، وأن تتزوّد في رحلتك المباركة بالمال الحلال الطَّيب، وأن تردّ الحقوق لأصحابها، وأن تكتب وصيتك قبل سفرك، وأن تتجنّب في حَجِّك الرفث والفسوق والجدال، وأن تكون كريم النفس، لَيِّن الجانب، حَسَن الخُلُق، مُسَاعدًا لإخوانك في هذه الرحلة المباركة.

خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ

إِنَّ فريضة الحج من فرائض الإسلام الخمس التي افترضها الله سبحانه وتعالى على المُستطيع، استجابة لنداء سيدنا إبراهيم – عليه الصلاة والسلام-  الذي أمره الله تعالى أن يُؤَذِّن في الناس بالحجّ، كما أنها تجب مرة واحدة في العُمر، لِمَا رُوِي عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – فقال: (أَيُّهَا النَّاسُ ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ)(5). 

حجاجنا الكرام: عليكم أن تحرصوا على تَعَلُّم أحكام مناسك الحج والعمرة، فالحج فريضة كالصلاة والصيام والزكاة لابُدَّ من معرفة أحكامه الشرعية بالتفصيل، فتعلّموا من أحكام المناسك ما يُمَـكِّنُـكُم من فِعْلها على الوجه الصحيح ، وقد يَسَّر الله -سبحانه وتعالى- سُبُلَ تحصيل ذلك ، فالكُتب والدّروس والتسجيلات الصوتية والمرئية التي تعتني بذلك كثيرة مشهورة ، فاحرصوا على مُطَالعتها ودراستها ومشاهدتها، وإذا أُشكل عليكم شيء فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، كي تتمكنوا من تأدية هذه الشّعيرة كما أدَّاها رسولنا– صلّى الله عليه وسلّم-القائل:( لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ)(6).  

بشائــر لضيــوف الرحمــن

وبهذه المناسبة الكريمة يُسْعدني أن أُبَشِّر أحبائي من ضيوف الرحمن في هذا العام ببعض المناقب والفضائل التي اختصّ الله بها  ضيوفه الكرام،  ومنها:

* الحج من أفضل الأعمال عند الله عزَّ وجلَّ: لِمَا رُوي عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال : سُئل  النبيُّ – صلّى الله عليه وسلّم - : (أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ : إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، قِيلَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ: ثُمَّ حجٌّ مَبْرُورٌ )(7).

* الحاج مغفورٌ له:  كما ورد عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال : قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم-  : (مَن حَجَّ فَلَم يَرفُث ولَم يَفسُق رَجَع كَيَوم ولَدَتهُ أُمُّهُ)(8).

* يُغْفَر لمن يَسْتغفرُ له الحاج:  فقد رُوي عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم-: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْحَاجِّ وَلِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ )(9 ).

* الحاج يفرح بيوم عرفة:  فقد جاء عن عائشة- رضي الله عنها- : أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم-  قال:(مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ )(10).  

* الحاج من أهل الجَنّة: كما رُوي عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم-   قال: (العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الجَنَّةَ) (11).

أخطــاء يقـــع فيهــا بعض الحجـــاج

أخي الحاج: حتى يكون حَجُّك مبروراً – إن شاء الله-، وسعيك مشكوراً، وذنبك مغفوراً، عليك أن تقتدي بحجَّة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-؛ لذلك نسوق إليك أخي الحاج بعض الأخطاء التي يقع فيها بعض الحُجّاج كي تبتعد عنها، ولتكون على بَيّنة من أمرِ دينك، منها:

1- يتجاوز بعض الحجاج الميقات بدون إحرام -خصوصاً حجاج الطائرة -،  حيث يقول بعض الحجاج  بأنني سأحرم من جدّة أو المكان الذي سأنزل فيه، وهذا مخالف لما ورد بأنّ لكل جهة ميقاتاً خاصاً بها، لذلك يجب على من تجاوز الميقات بدون إحرام أن يرجع إليه وَيُحْرم منه، وهذا هو الأصل والأفضل، وإلا فعليه فدية يذبحها في مكة وَيُطْعمها للفقراء.

2- يقوم بعض الحجاج بالطّواف من داخل حِجْر إسماعيل، فطوافه باطل؛ لأنه لا يكون قد طاف بالكعبة وإنما طاف ببعضها، لأنّ الحِجْر من الكعبة، والصّواب أن يطوف من خارج حِجْر إسماعيل .

3- يقوم بعض الحجاج بالصلاة عند مقام سيدنا إبراهيم مع ما فيه من الأذى للطائفين، حيث يُعرقل طوافهم وَيُؤذيهم، فصلاة ركعتي الطواف جائزة في أي مكان من المسجد، ومن المعلوم أنّ الصلاة تحتاج إلى خشوع، وهاتان الركعتان ليستا من الطواف، ولا شرطاً لصحته، بل يصحّ الطواف بدونهما.

4- الإسراع في السّعي بين الصفا والمروة في جميع الأشواط السّبعة، والوارد في السُّنّة أن يكون الإسراع بين العَلَمَيْن الأخضرين فقط في كلّ شوط، وَيُعرف ذلك بخطين أخضرين على الأعمدة ، ويكفي المشي في بقية الأشواط.

5- تصميم بعض الحجاج على صعود جبل عرفة والوصول إلى قِمَّته، مِمَّا يُلْحق الكثير من الأذى والضرر، وعرفة كلّها  موطن كما جاء في الحديث إلا وادي عُرنة، كما أنّ البعض يقف خارج حدود عرفة، وهذا خطأ كبير يفوت الحاج، فقد جاء في الحديث: (..الْحَجُّ عَرَفَةُ ) (12)، فعلى الحاج أن يتحرى الحقَّ والصواب، ومن الخطأ الانصراف من عرفة قبل غروب الشمس ، لِمَا ورد  أنّ الرسول - صلّى الله عليه وسلّم – وقف بعرفة حتى غربت الشمس تماماً  .

6- انشغال بعض الحجاج بجمع الحَصَى من المُزدلفة، بدلاً من المُسارعة إلى أداء صلاة المغرب والعشاء، فالحصى يجوز أخذها من أي مكان من الحرم .

7- قيام بعض الحجاج بإيذاء إخوانهم، وما يحدث من تدافع يُسيء إلى الطائفين عند  الحجر الأسود، لذلك يجب البُعْد عن إيذاء الحجاج، والاكتفاء بالإشارة والتكبير إذا حاذاه ولو كان بعيداً عنه.

هذه بعض الأخطاء التي قد يقع فيها أو في بعضها بعض الحجاج، نسوقها لك أخي الحاج الكريم، وأنت مُقْبِلٌ على أداء هذه الفريضة العظيمة؛ لِتتجَنَّبها وَتُؤَدّي مناسك الحج كما جاء عن الرسول –صلّى الله عليه وسلّم -؛ فيكون حجّك مبروراً وسعيك مشكوراً وذنبك مغفوراً، وتعود  -إن شاء الله- من حَجِّك كيوم ولدتك أمك.

حجاجنا الكرام : يامَنْ  يَسَّرَ الله لكم الحجّ في هذا العام، أسأل الله أن يتقبل حَجَّكم، وأن يَرُدَّكم سالمين إلى أوطانكم، وكلّنا ثقة وأمل فيكم وأنتم تنعمون بالصلاة في المسجد النبوي الشريف، والطّواف حول الكعبة المُشرفة، أنْ تتذكروا أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين المسجد الأقصى الأسير، وأن تتضَرَّعوا إلى الله بالدعاء بأنْ يَفُكَّ أَسْرَه، كما تسألوه سبحانه وتعالى أن يجمع شمل  شعبنا و الأمتين العربية والإسلامية، وأن يُوَحِّدَ كلمتهم، ويُؤلف بين قلوبهم، إنه سميع قريب .

نسأل الله تعالى للحجاج الكرام حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً، وتجارة لن تبور

وصلّى الله على سيّدنا محمد  وعلى آله وصحبه أجمعين

 الهوامش :

1- سورة آل عمران الآية (96-97)   

2- سورة النور، الآية(31)

3- أخرجه مسلم

4- سورة الزمر، الآية (53)

5- أخرجه مسلم

6- أخرجه مسلم

7-أخرجه الشيخان

8-أخرجه الشيخان

9- أخرجه البيهقي

10- أخرجه مسلم

11- أخرجه الشيخان

12- أخرجه الترمذي