2023-01-29

الإسلام ...واليوم العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة


2022-12-02

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ صُهَيْبِ بن سِنَان - رضي الله عنه- قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ )(1).

تمرّ بنا في هذه الأيام ذكرى اليوم العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة، والتي تأتي في الثالث من شهر ديسمبر من كلّ عام، ونحن هنا نُبيّن وجهة نظر الإسلام كي يكون المسلم على بَيِّنة من أمره.

لقد اهتمت الشريعة الإسلامية الغرَّاء بجميع أفرادها فوضعت لهم حقوقاً ولم تُمَيِّز بينهم ، لأنَّ الأُمّة الإسلامية أُمَّة تراحم وتعاون وتعاطف، بل أمرتْ بالعدل ووجّهت إلى إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه، وسَاوت بين ذوي الاحتياجات الخاصة وبين غيرهم من شرائح المجتمع في سائر الحقوق، وقدّمت لهم خدمات إيجابية حقيقية، ورفعت عن كاهلهم الحرج والمَشَقّة فيما لا طاقة لهم به ، وعملت على تغيير الصورة الذهنية القاتمة للمجتمع تجاههم، وجعلت لهذه الفئة حقوقاً إضافية أخرى تُمَيِّزهم عن غيرهم مراعاة لهم، كما نهت المؤمنين عن السُّخرية منهم والاستهزاء بهم؛ بسبب ما أَلَمَّ  بهم من نقصٍ أو عاهة كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(2) .

الإسلام ... ودمج ذوي الاحتياجات الخاصة 

عند دراستنا للسيرة النبوية الشريفة فإنّنا نجد أَنَّ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – قد عمل على دَمْجِ  ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع دمجاً كاملاً، حيث كلَّفهم- عليه الصّلاة والسّلام- بأعمال جليلة، ومن الجدير بالذكر أَنَّ كثيراً منهم قاموا بجهد كبير في خدمة الإسلام والمسلمين في جميع المجالات: السياسية والاجتماعية والعلمية والدعوية، ونحن هنا نذكر بعض الأمثلة لأولئك الأعلام، ومنهم :

*عبد الله بن أُمِّ مكتوم- رضي الله عنه-:

عبد الله بن أُمِّ مكتوم من الصحابة الكرام – رضي الله عنهم أجمعين – وكان أعمى، ذهب إلى النّبي- صلّى الله عليه وسلّم  - ليجلس معه، فأعرض عنه – صلّى الله عليه وسلّم –؛ لانشغاله بدعوة صناديد قريش وسادتها لعلَّ الله يشرح صدورهم، فجاء عتاب الله- سبحانه وتعالى -  لنبيِّه -عليه الصّلاة والسّلام- في آيات تُتْلى إلى يوم القيامة {عَبَسَ وَتَوَلَّى*أَن جَاءهُ الأَعْمَى ... }(3)، وكان-صلّى الله عليه وسلّم - يستقبله قائلاً: "أهلاً بِمَنْ عاتبني فيه رَبِّي"، وقد وَلاَّه – صلّى الله عليه وسلّم- على المدينة في بعض الغزوات، فتولَّى الخلافة نيابة عن  رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم -، وهذا دليل واضح على ضرورة  تفعيل دَوْر ذوي الاحتياجات الخاصة  ومدى  الثّقة بهم، كما جعله- صلّى الله عليه وسلّم- مُؤذِّناً له، كما جاء في الحديث: (إِنَّ بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ)(4).

* عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- :

هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، ابن عم رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم - ، وكان – رضي الله عنه – أَحَدَ  فقهاء الصحابة، حيث كان المسلمون يرجعون إليه في كثير من الأمور الفقهية ، كما برع في التفسير ، ومن المعلوم أَنَّ عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما-  قد اشتهر بروايته للحديث، فكان  أحد الصحابة الكرام- رضي الله عنهم أجمعين- المُكْثرين من رواية الحديث النبوي ، حيث بلغت مرويّاته ما يقرب من (1660)حديثاً ، وقد فَقَدَ  ابن عباس- رضي الله عنهما -  بصره في أواخر عمره، فصبر على ذلك؛ لِمَا فيه من الأجر العظيم ، كما جاء في الحديث عن أنس بن مالك – رضي الله عنه- قال : (سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ قَال:َ إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بحَبيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ"، يُرِيدُ عَيْنَيْهِ)(5 )، وكان عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما- يُنشد قائلاً:

إنْ يأخُذِ اللَّهُ من عينيَّ نُورَهُمـــا         ففِي لِسانِي وقلبي مِنْهُما نـــــورُ

قلبي ذَكيٌّ وعَقلي غَيْرُ ذي عِوَجٍ         وفي فمِي صارمٌ كالسَّيفِ مأثورُ

*عمرو بن الجموح- رضي الله عنه- :

هو عمرو بن الجموح أحد الصّحابة الكرام – رضي الله عنهم أجمعين –  كان من أشراف العرب، وَمِمَّن يُشار إليهم بالبَنَان، وكان – رضي الله عنه – يُعاني من عَرَجٍ شديد ، شَهِدَ – رضي الله عنه- بيعة العقبة الثانية ، كما شَهِدَ مع الرسول – صلّى الله عليه وسلّم – معركة بدر، فلما جاءت غزوة أُحُدٍ عَزَمَ – رضي الله عنه- على المُشاركة فيها، لكنَّ أبناءه أجمعوا على منعه؛ لأنه شيخ كبير طاعن في السِّنّ، وهو أعرج شديد العرج، فغضب – رضي الله عنه-  أشدَّ الغضب، وانطلق إلى رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- يشكوهم، فقال يا رسول الله: إنَّ أبنائي هؤلاء يُريدون أن يَحْبِسوني عن هذا الخير، وهم يَتَذَرَّعون بأنِّي أعرج، والله إني لأرجو أنْ أَطَأَ بعرجتي هذه الجنّة، فقال الرسول -عليه الصّلاة والسّلام- لأبنائه: "دعوه، لعلّ الله عزَّ وجلَّ يرزقه الشهادة" ، وتوجّه- رضي الله عنه- نحو القبلة داعياً ربه : (اللهُمّ ارزقني الشهادة في سبيلك ولا تَرُدَّني إلى أهلي خائباً)، واسْتُشْهِد- رضي الله عنه- و معه ولده خلاد في معركة أحد.

هذا هو المنهج النبوي في التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، في وقت لم تعرف فيه الشعوب السابقة حقًّا لهذه الفئة، فقد قرّر رسولنا الكريم الرعاية الكاملة والشاملة لهم، وجعلهم في سُلَّم أولويات المجتمع.

أصحابُ الهِمَمِ العاليــة

لقد كرَّم ديننا الإسلامي الحنيف  جميع أبنائه وفي مُقدّمتهم ذوي الاحتياجات الخاصة ، فهم جزءٌ مُهم من مُكَوِّنات المجتمع، ولهم دورٌ بارز في رفعته والنهوض به كغيرهم ، فلم تُعِقْهم عاهاتهم قَطُّ أَنْ يكونوا علماء وفقهاء، حيث نبغَ عدد كبير منهم، فألَّفوا المُجَلَّدات خدمة لدين الله سبحانه وتعالى،  ومنهم على سبيل المثال :

 *الإمام محمد بن عيسى الترمذي: صاحب كتاب السُّنن وهو من أشهر علماء الحديث، وكان ضريراً.

 * الإمام الأعمش: شيخ المُحَدِّثين ، من الموالي، كان أعمش العينين (ضعيف البصر) فقير ذات اليد.

 *الإمام قالون: أحد أشهر أئمة القراءات، كان رجلاً أصمّ لا يسمع.

* الإمام عطاء بن أبي رباح: الفقيه المعروف الذي كان يُنَادَى عنه في موسم الحج: " لاَ يُفْتِي النَّاسَ إِلاَّ
عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ "، وكان رجلاً يصفه الذين ترجموا له: بأنّه كان أسودَ ، أفطسَ، أعرجَ ، أشلَّ.

* الإمام ابن الأثير: كان مُصاباً بمرض في ركبته ولم يستطع الأطباء معالجته، فقال لهم: دعوني إنني لمَّا أُصِبْتُ بهذه العاهة أَلَّفْتُ جامع الأصول، ويتكون من أحد عشر مجلداً ، وكذلك النهاية في غريب الحديث، ويتكون من أربعة مجلدات ، ومن المعلوم أنّ الإمام ابن الأثير  - رحمه الله - كتب هذه المراجع العلمية وهو مقعدٌ، وغير هؤلاء كثير - رحمهم الله جميعاً-.

ومن الجدير بالذكر أنّ عدداً من ذوي الاحتياجات الخاصة في عصرنا الحاضر قد نالوا أعلى الدرجات العلمية، وتقلَّدوا مواقع مُهمة في شتّى المجالات، وقدَّموا خدمات جليلة لمجتمعهم وأُمّتهم.

رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة

إِنَّ أحبابنا من ذوي الاحتياجات الخاصة يُشكلون شريحة مُهِمَّة في مجتمعاتنا ، وما حَلَّ بهم من بلاء لا يُقَلِّل من شأنهم ولا يُنْقِصُ من قدرهم وعطائهم،  فالابتلاء أمرٌ حتمي في حياة المسلم ، فقد أرشدنا نبيّنا – صلّى الله عليه وسلّم –  إلى أَنَّ المؤمن دائماً أمره خير، إذا أصابته سرَّاء  شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، وكما قال الشاعر:

قَدْ يُنْعمُ اللهُ بِالبَلْوَى وَإِنْ عَظُمتْ        وَيَبْتَلِي اللهُ بَعْضَ القَوْمِ بِالنِّعَمِ

وبهذه المناسبة فإننا نُوجه مناشدة للأخوة المسؤولين في مُختلف مواقعهم وللمُؤسّسات العامة والخاصة بضرورة رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة؛ ليتمكّنوا من تلبية احتياجاتهم وليحيوا حياة كريمة، كما يجب علينا أَنْ نعمل على تأهيلهم ودمجهم في المُؤسّسات، وإقامة المشاريع الإنتاجية الخاصة بهم .

وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش :

  1. أخرجه مسلم                  
  2. سورة الحجرات الآية (11)
  3. سورة عبس، الآية (1-2)
  4. أخرجه البخاري  
  5. أخرجه البخاري